ذكاء الأعمال · المقال الافتتاحي
ذكاء الأعمال بمعناه الأصلي
من مصرفيٍّ سبق منافسيه بالخبر سنة ١٨٦٥ إلى لوحات البيانات: أصل المفردة، وما الصحيح فيها، وكيف تعدّدت استعمالاتها.
سؤال الاسم أولاً
اخترتُ الاسم بمعناه الأصلي، لا بأشهر تطبيقاته
أول ما قد يسأله القارئ حين يرى اسم «ذكاء الأعمال»: أهو موقع عن لوحات البيانات وأدوات التحليل؟ والجواب: لا. فالاسم هنا بالمعنى الذي وُلد به، قبل أن تشتهر تلك الأدوات بقرن وأكثر.
ومنهجي في التسمية واحد في كل ما أصنع: أعيد المفردة إلى أصلها العلمي قبل أن أنظر في استعمالاتها؛ فالاستعمال يتبدّل ويتعدّد، والأصل هو المرجع. وفي هذا المقال أتتبّع أصل «ذكاء الأعمال»، وأبيّن الصحيح فيه، وأمرّ على استعمالاته المتعددة.
أول ظهور: مصرفيٌّ سبق منافسيه بالخبر
سنة ١٨٦٥ كان ذكاء الأعمال شبكة أخبار تصل قبل المنافسين ويُعمل بها
أقدم استعمال معروف للمصطلح ورد سنة ١٨٦٥ في كتاب «موسوعة نوادر التجارة والأعمال» (Cyclopædia of Commercial and Business Anecdotes) لريتشارد ديفنز، الصادر في نيويورك ولندن. وفيه يصف المصرفيَّ السير هنري فيرنيز:
“Throughout Holland, Flanders, France, and Germany, he maintained a complete and perfect train of business intelligence.”
«أقام في هولندا وفلاندرز وفرنسا وألمانيا سلسلةً كاملة محكمة من ذكاء الأعمال».
فكانت أخبار المعارك تبلغه قبل غيره، وزادت أرباحه بسقوط مدينة نامور لأن خبرها وصله مبكراً.
ذكاء الأعمال في أول ظهور له إذن: شبكة أخبار ومعلومات عن بيئة الأعمال، تصل قبل المنافسين، ويُعمل بها. لا شاشة فيه ولا لوحة. وهذا بالضبط ما يقوم عليه هذا الموقع.
حين كان الذكاء يعني الخبر
في الإنجليزية كان الذكاء خبراً، وفي العربية يحفظ «الاستخبار» الصلة نفسها
ليس في هذا غرابة. فكلمة intelligence الإنجليزية استُعملت بمعنى «المعلومات المتلقّاة والمنقولة»، أي الأخبار، منذ منتصف القرن الخامس عشر. وصار Intelligencer، أي «ناقل الأخبار»، اسماً للصحف منذ أربعينيات القرن السابع عشر. وصدرت في واشنطن صحيفة «ناشونال إنتليجنسر» من سنة ١٨٠٠ إلى ١٨٦٧، وما تزال «سياتل بوست-إنتليجنسر» تحمل الاسم إلى اليوم.
والعربية تحفظ الصلة نفسها في لفظها: «الاستخبار» طلب الخبر، ومنه «الاستخبارات». أما «الذكاء» في المعاجم فحدّة الفؤاد وسرعة الفطنة. فإذا قلتُ «ذكاء الأعمال» جمعتُ الأمرين: الخبر عن الأعمال، والفطنة في فهمه.
١٩٥٨: الأعمال أنشطة، والذكاء فهمٌ يوجّه الفعل
في الورقة المؤسِّسة للمصطلح، الأعمال أنشطة لا كيانات
بعد نحو قرن، نشر هانز بيتر لون، الباحث في IBM، ورقته «نظام لذكاء الأعمال» (A Business Intelligence System) في مجلة IBM في أكتوبر ١٩٥٨. وعرّف الذكاء فيها، نقلاً عن قاموس وبستر، بأنه:
“the ability to apprehend the interrelationships of presented facts in such a way as to guide action towards a desired goal.”
«القدرة على إدراك العلاقات المتبادلة بين الوقائع المعروضة على نحوٍ يوجّه الفعل نحو هدف منشود».
والأهم لموضوعنا تعريفه للأعمال، إذ كتب أن الأعمال في ورقته «مجموعة أنشطة تُزاوَل لأيّ غرض كان» (a collection of activities carried on for whatever purpose)، وأدخل فيها الأنشطة العلمية والتقنية والتجارية والصناعية والقانونية والحكومية والدفاعية. فالأعمال عند صاحب الورقة المؤسِّسة أنشطةٌ، لا كيانات.
ونظامه نفسه كان يلخّص الوثائق آلياً، ويوجّه كل خبر إلى «نقطة الفعل» التي تحتاجه. ما زلنا في المعنى الأصلي: خبرٌ يصل إلى من يعمل به.
التطبيق الذي اشتهر حتى حجب الأصل
الأداة تخدم الذكاء ولا تحتكر اسمه
سنة ١٩٨٩ اقترح هوارد دريسنر، الذي صار لاحقاً محللاً في غارتنر، أن يكون «ذكاء الأعمال» مصطلحاً جامعاً يصف «مفاهيم وأساليب لتحسين قرارات الأعمال باستخدام أنظمة دعم قائمة على الحقائق». ولم ينتشر هذا الاستعمال إلا في أواخر التسعينات، ثم حمله صنّاع الأدوات إلى مستودعات البيانات والتقارير ولوحات المؤشرات، حتى صار الاسم عند كثيرين مرادفاً لبرنامج بعينه.
وهذا تطبيقٌ للمفهوم، لا المفهوم نفسه. الأداة تخدم الذكاء ولا تحتكر اسمه، كما لا يصير المِقراب «علمَ الفلك» لأن الفلكيين يستعملونه. ومن يسمّي الأداة باسم الغاية يضيّق المفردة على قدر سوقه.
حين يسمّي السوقُ المفردة
الانتشار لا يصحّح الخطأ، والسياق يحكم
وليست «ذكاء الأعمال» وحدها. في تخصصي، الأمن السيبراني، أصلُ threat intelligence جمعُ المعلومات عن التهديدات حتى تصير مرجعاً يُبنى عليه القرار، كما هي الاستخبارات في السياسة؛ فاسمها الصحيح «استخبارات التهديدات». ثم شاع في السوق «الذكاء الاستباقي» و«التهديدات الاستباقية»، وهي تسميات تلطيفية؛ و«استباقي» معرفة جزئية مضللة، تجرّد التخصص من صلته الوثيقة باستخبارات الأمن. انتشرت التسمية، ولم يجعلها الانتشار صحيحة.
والقاعدة عندي: السياق يحكم. «ذكاء الأعمال» في إعلان وظيفة لمحلل بيانات يعني الأدوات، وفي عنوان موقع أخبار يعني الخبر والاستخبار، والقارئ يميّز بالسياق. لكن حين نختار اسماً نؤسّس عليه، نختاره من الأصل، ونشرح، ولا نكون رهائن لأشهر استعمالاته في السوق.
الأعمال، لا الشركات
الأعمال هي النشاط وقيمته، والشركة وعاؤه القانوني
والشطر الثاني من الاسم بالدقة نفسها. «الأعمال» هي النشاط ونموذجه وقيمته، أما «الشركة» و«المؤسسة» فأوعية قانونية تحتضن العمل ويُسجَّل باسمها. وأكبر شاهد أن التخصص الجامعي Business Administration اسمه بالعربية «إدارة الأعمال»، لا «إدارة الشركات». ورأينا أن لون نفسه عرّف الأعمال بأنها أنشطة.
وعلى هذا الأصل سيقوم الموقع الشقيق «مؤشر الأعمال الناشئة»: فالعمل الناشئ في جوهره بحثٌ عن نموذج عمل قابل للتكرار والتوسّع، كما يصفه ستيف بلانك، وكثير منه يبدأ قبل أن يصير شركة أصلاً. ومع ذلك يهتم الموقع بجميع الشركات الناشئة وما يتصل باحتياجاتها؛ فالاسم يحمل الأصل، والوصف يحمل اللفظ المتداول.
الاستعمالات في جدول
من ديفنز إلى اليوم: أين الأصل، وأين التطبيق
| السنة | المرجع | المعنى | صلته بالأصل |
|---|---|---|---|
| ١٨٦٥ | ريتشارد ديفنز، «موسوعة نوادر التجارة والأعمال» | أخبار ومعلومات عن بيئة الأعمال تصل قبل المنافسين، ويُعمل بها | الأصل |
| ١٩٥٨ | هانز بيتر لون، IBM | إدراك العلاقات بين الوقائع بما يوجّه الفعل؛ والأعمال أنشطة لأي غرض | امتداد للأصل |
| ١٩٨٩ | هوارد دريسنر (محلل في غارتنر لاحقاً) | مصطلح جامع لأساليب تحسين القرار بأنظمة دعم قائمة على الحقائق | انعطاف نحو الأنظمة |
| أواخر التسعينات | صنّاع الأدوات | مستودعات بيانات وتقارير ولوحات مؤشرات | تطبيق اشتهر |
| ٢٠٢٦ | ذكاء الأعمال، هذا الموقع | أخبار المال والأعمال والتجارة، بمصادرها وتحليلها | عودة إلى الأصل |
ما نعنيه هنا
الاسم مفتاح، والمحتوى هو ما يُبقي القارئ
«ذكاء الأعمال» في هذا الموقع: الخبر عن المال والأعمال والتجارة، نجمعه من مصادره ونذكرها، ونقدّمه مع ما يعين على فهمه، ليصل إلى القارئ قبل أن يحتاجه فيعمل به؛ كما وصل خبر نامور إلى فيرنيز قبل منافسيه.
ولا نعادي الأدوات؛ فهي من تطبيقات المفهوم، ولها مكانها في أخبارنا. لكنّا لا نسلّم المفردة لأشهر تطبيقاتها. الاسم مفتاحٌ يلفت الانتباه، وما يُبقي القارئ هو المحتوى: تجدّده، وقوة معناه، وقيمته التي تستحق وقته.
المصادر
كل واقعة في المقال موثّقة من مصدرها
- Richard M. Devens, Cyclopædia of Commercial and Business Anecdotes, D. Appleton and Company, New York and London, 1865. archive.org
- H. P. Luhn, “A Business Intelligence System,” IBM Journal, October 1958. ibm.com
- “Business intelligence” (history: Devens, Luhn, Dresner), Wikipedia. en.wikipedia.org
- “Intelligencer” and “intelligence,” Online Etymology Dictionary. etymonline.com
- “Intelligencer” (newspapers bearing the name), Wikipedia. en.wikipedia.org